ما بين ساحة النجمة وإقتحام المصارف… وجهان لعملة واحدة


مشهدان خطفا الأنظار في يوم واحد. الأول إقتحام عدد من المودعين بعض المصارف في مناطق متفرقة. والثاني “إقتحام” نيابي لموازنة “الممكن”. وبين المشهدين قاسم مشترك. إنها الفوضى بكل مقاييسيها ومندرجاتها. وإذا كانت الفوضى في المشهد الأول مبرّرة إلى حدود معينة، فإن الفوضى في المشهد الثاني غير مبرّرة، إلاّ إذا كانت مقصودة للدلالة إلى أن النواب المعارضين لنهج العهد وخطّ الممانعة، الذين إستطاعوا تعطيل نصاب النصف زائد واحد، قادرون على تعطيل نصاب الثلثين لأي جلسة نيابية لإنتخاب رئيس جديد للجمهورية لا يكون “سياديًا”، بالمفهوم السائد لدى هؤلاء النواب. 

قد يتفهمّ أي مواطن ما قام به عدد من المودعين عندما إقتحموا بعض المصارف بقوة السلاح طلبًا لما لهم لدى هذه المصارف من أموال تُطلق عليها تسميات شتى: مصادرَة أو مسروقة أو منهوبة أو مهرّبة. ولكن أهم من هذه التوصيفات أن هذا المودع، الذي أفنى عمره، تعبًا وشقاء حتى يكون لديه أموال إحتياطية تحسبًا لغدر الزمن، لا يستطيع الحصول على ما هو حقّ طبيعي له، حتى ولو كان ما سيحصل عليه غير كافٍ. ولكن القليل يبقى أفضل من لا شيء. 

إلاّ أن تعميم ثقافة “حارة كل مين إيدو ألو” لا تجوز في أي حال من الأحوال. فإذا كان الحقّ مع أي مواطن يريد إسترجاع أمواله يصبح الحقّ عليه. وهنا ندخل في جدلية “جمهورية الموز”، حيث لا قانون ولا محاسبة. من حقّ أي مودع، وأنا واحد منهم، أن يطالب بما له في ذمّة المصارف من أموال، وأن يلجأ إلى كل الوسائل القانونية التي قد تمكّنه من تحصيل هذا الحقّ. ولكن ليس من حقّه تحصيل حقّه بيديه. وفي هذه الحال تصبح شريعة الغاب هي السائدة، وعندها تضيع الآمال في إمكانية تحصيل هذا الحقّ. 

قد لا نكون من بين المقتنعين بنظرية “المؤامرة”، التي تحدّث عنها وزير الداخلية، ولكن ما حصل في “جمعة الإقتحامات” يُعتبر أمرًا شديد الخطورة، أقّله لجهة إستسهال الإعتداء على الأملاك الخاصة وإستباحة القانون، على رغم تعاطفنا الكلي مع دوافع سالي حافظ، التي إقتحمت المصرف بسلاح طفولي من أجل حصولها على حفنة من الدولارات لمعالجة شقيقتها المصابة بالسرطان، والتي تذوب تدريجيًا أمام ناظريها من دون أن تتمكّن من مساعدتها أو تأمين الدواء لها. 

في المقلب الآخر، وفي مشهدية موازية، شهدنا إنسحابًا لبعض الكتل النيابية من جلسة درس موازنة العام 2022. في المبدأ هذه الموازنة، وبإعتراف من أعدّها ونقّحها وأدخل عليها التعديلات الممكنة والضرورية، ليست مثالية أو كاملة المواصفات، وبالتالي يمكن وصفها بكل الأوصاف، وقد وردت كلها في كلمات النواب. إنها موازنة “الممكن والمتيسرّ”. إنها موازنة موضوعة لبلد متهاوٍ إقتصاديًا وماليًا ونقديًا، وليست موازنة لبلد نامٍ ومزدهر ومتعافٍ.  

ما فعله “نواب المعارضة” يشبه إلى حدّ كبير ذاك الشخص الذي إكتشف أن زوجته تخونه فأقدم على الإنتحار. فنواب “كتلة الجمهورية القوية” وكتلة حزب “الكتائب”، وهم غير طارئين على الحياة السياسية في لبنان، وإن كانوا يعترضون في الماضي على الموازنات المتعاقبة، يعرفون التمييز بين “المستطاع والممكن” وبين ما يطمح إليه كل لبناني. ويعرفون أيضًا أن إقرار موازنة “تعيسة” أفضل مئة مرّة من عدم إقرارها في ظل هذه الظروف المأسوية التي يعيشها لبنان، من دون الدخول في جدلية أسباب الوصول إلى هذه الحال المزرية. 

فالمشهدان في ساحتي “النجمة” والمصارف متشابهان إلى حدّ كبير، أقّله لناحية ترك البلاد تتهاوى في فضاء منعدم الجاذبية. وبين هذين المشهدين جاءت صرخة رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، وهو قال إن الإنقاذ لا يكون بـ”المفرق”، أي أن يدًا واحدة غير قادرة على التصفيق. فالإنقاذ يحتاج إلى الجميع. وهنا بيت القصيد.  


Leave a Reply

Your email address will not be published.