موازين القوى مخّتلة داخليًا… فكيف تُصحّح؟


عندما قرّر “حزب الله” الانخراط في الحرب السورية بحجة الدفاع عن مقام السيدة زينب في دمشق ضد تهديدات “داعش” وأخواتها لم يستشر احدًا ولم يأخذ برأي من يُفترض بهم أن يكونوا شركاءه في المواطنية. وكذلك فعل عندما قرّر فتح جبهة الجنوب لمساندة أهل غزة في حرب الإبادة، التي يتعرّضون لها منذ أربعة أشهر. ولا يخفى على أحد، لا في الداخل ولا في الخارج، على أنه استطاع من خلال تفرّده في اتخاذ القرارات، التي لا تلقى اجماعًا لبنانيًا، أن يفرض نفسه على المجتمع الدولي، الذي يتطلع إلى مفاوضته، وإن بالواسطة، في ما خصّ الوضع الجنوبي ومسار السلم والحرب، وذلك انطلاقًا من وضعية أصبحت أمرًا واقعًا لا يمكن تجاهله.

Advertisement










وعلى رغم الأصوات الداخلية التي تطالب بأن يكون قرار “الحرب والسلم” في يد الدولة اللبنانية، وليس في يد فريق واحد من اللبنانيين، فإن “حزب الله”، وبلسان أمينه العام السيد حسن نصرالله ومعظم قيادييه ومسؤوليه يصرّ على قرار الاستمرار في تسخين الجبهة الجنوبية ما دام الوضع في غزة على حاله، وهو يتصرّف على أساس أنه لن يدافع فقط عن الجنوب، بل عن كل لبنان. وهذا ما يزيده ثقة في ما يقوم به، وإن كان البعض يتهمه بأنه ينفذّ “أجندة” سياسية إيرانية من خلال ربط مصير الجنوب ولبنان بمصير قطاع غزة.
ولأنه يعلم أن موازين القوى الداخلية مختّل، وأن اعتراض من يعترض من القوى السياسية المناهضة لسياساته لا يعني له الشيء الكثير فإن “حزب الله” يتصرّف مع الحملات التي تُشّن ضده وكأنها فقاقيع صابون لن تلبث أن تتلاشى بمجرد النفخ عليها بقوة، وهو ماضٍ في ما يقوم به، سياسيًا وميدانيًا، من دون أن يتطلع إلى الوراء، لأنه لا يرى سوى الهدف الذي هو نصب أعينه، وهو يعرف كيف يستثمر ما قد يكون لغير مصلحته ليصبّ في خانة أهدافه، ومن بينها وأهمّها فرض نفسه كمعادلة إقليمية وازنة يُحسب لها ألف حساب في أي حلّ على المستويين الداخلي والخارجي بما قُدّر له أن يحقّقه على أرض الواقع من توزان “الردع” بينه وبين إسرائيل، وذلك بما لديه من قوة نارية يستطيع من خلالها فرض أمر واقع معين.
وانطلاقًا من هذا الواقع المكرّس بما يملكه من ترسانة صواريخ يهدّد بها العمق الإسرائيلي استطاع “حزب الله” أن يفرض نفسه على لائحة التفاوض الدولي والإقليمي في شأن مآل الحرب في الجنوب التي رُبطت عن سابق تصور وتصميم بحرب غزة. وهذا الواقع ينعكس حتمًا على الوضع الداخلي بما فيه من تعقيدات، ومن بين هذه الانعكاسات يأتي الاستحقاق الرئاسي في الطليعة، إذ يُنقل عن قيادات في “حارة حريك” بأن ما لم يكن مقبولًا رئاسيًا قبل السابع من تشرين الأول لا يمكن أن يكون مقبولًا به بعد هذا التاريخ، وبعد كل هذه التضحيات التي قدّمتها “المقاومة الاسلامية”؛ فهو لن يتخلى عن ترشيح الوزير السابق سليمان فرنجية، خصوصًا أنه قد يكون الوحيد الذي في إمكانه أن يحمي ظهر “المقاومة الإسلامية، أو على الأقّل لن يطعنها من الخلف، فيما يكتفي الآخرون بتسجيل أهداف التعادل في مباراة رئاسية لم تخرج نتائجها عن خطّ التعادل السلبي. وقد يكون المطلوب منهم أكثر من هذا الاكتفاء بما أنهم يعتبرون أنفسهم “أم الصبي”. وأقل ما هو مطلوب منهم أن يتوحدوا حول مشروع انقاذي واحد، وعدم الاكتفاء بتسجيل نقاط التعادل، بحيث تبقى النتيجة سلبية إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
فلو توحدّ جميع الذين لا يتوافقون مع نظرة “حزب الله” إلى الشأن الرئاسي، سواء بأحلاف ثنائية أو ثلاثية أم حتى رباعية، أقّله مسيحيًا، فإنهم قادرون فرض الرئيس الذين يرون أنه “الرجل المناسب في المكان والزمان المناسبين على الجميع، في الداخل وفي الخارج.   


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *