ماذا بعد إطفاء اللجنة الخماسية محركاتها الرئاسية؟


ما يسمعه المغتربون من أخبار كل يوم عن وطنهم الحبيب لا يطمئن. فلا رئيس لجمهورية قد أصبحت سائبة، وكأن المقصود أن يبقى لبنان من دون رأس لتعويد اللبنانيين على فكرة الفراغ في سدّة الرئاسة تمهيدًا لفكرة أخرى لا تقل خطورة عن الأولى، وهي الاعتياد على الفراغات الشاملة إلى أن يحين الوقت الملائم إقليميًا لفرض ملء كل هذه الفراغات بما لا يتوافق ومصلحة الجميع، بمن فيهم المسيحيون، المطلوب من قياداتهم أكثر من أي وقت مضى أن يوحدّوا مواقفهم، ويرصّوا صفوفهم، لإعادة التوازن إلى الحياة السياسية بعدما أختلّت موازين القوى بفعل قرار ربط الوضع في الجنوب بما يجري على الساحة الغزاوية، وهذا ما يرفضه بعض اللبنانيين الذين لا يملكون سوى خيار الرفض المبدئي.

Advertisement










فإذا لم يتوحد المعترضون بالموقف السياسي حول رؤية وطنية مشتركة فإن ما ينتظرهم من تطورات سيكون كارثيًا، خصوصًا أن لبنان، بدءًا من جنوبه، مهدّد بأن يلقى المصير نفسه الذي يلقاه قطاع غزة. فليس من عاقل إلاّ ويتضامن مع القضية الفلسطينية المحقّة بكل أشكال التضامن المعنوي والمطلبي، ولكن ليس على حساب أمن اللبنانيين ووحدتهم وسلامة أراضيهم. هذا ما يتفق عليه هؤلاء، ولكن من دون أن تكون لديهم القدرة العملانية على تغيير هذا الواقع، أقّله في ما خص الاستحقاق الرئاسي، الذي يبدو أنه قد وضع على رفّ الانتظار بعدما أطفأت “اللجنة الخماسية” محركاتها الرئاسية لأسباب لها علاقة على أغلب الظنّ بما تبذله واشنطن من مساع توصلًا إلى وقف اطلاق النار في غزة، خصوصًا بعد المحادثات المتعثرّة التي أجراها الموفد الرئاسي الأميركي آموس هوكشتاين في تل أبيب، والتي أظهرت مدى اتساع هوة الخلاف بين الادارة الأميركية وحكومة نتنياهو. وهذا ما بدا واضحًا أيضًا في خلال الزيارة الخاطفة التي قام بها وزير الخارجية الأميركي انطوني بلينكن لإسرائيل، التي لا تزال تصرّ على استكمال حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني.
وعليه، فقد جمدّت “اللجنة الخماسية” حركتها الرئاسية إلى حين وضوح الرؤية، وبعد أن تنقشع الصورة ويُبان الخيط الرئاسي الأبيض من الخيط الأسود.  وعلى رغم إصرار الرئيس نبيه بري على ضرورة أن يسبق أي تحرّك رئاسي حوار في العمق بين مختلف الأفرقاء اللبنانيين بالنسبة إلى الخيارات المتوازية، التي تُطرح بين الحين والآخر، لا تزال قوى المعارضة ترفض أي حوار لا يترأسه رئيس الجمهورية، الذي هو وحده “رمز وحدة البلاد” دون غيره، وبالتالي فإن أي حوار حتى ولو كان رئاسيًا لا معنىً له إن لم يدعُ إليه رئيس الجمهورية ويرعاه شخصيًا، وفي قصر بعبدا وليس في أي مكان آخر.
فالموفدون الدوليون لم يتطرقوا الى الملف الرئاسي إلاّ عرضيًا، ومن باب المواصفات والتمنيات والنصائح وسط خلافات تسود، على ما يبدو، أركان “الخماسية”، خصوصًا أن كل المواعيد التي اعطيت لاجتماعها المرتقب منتصف شباط لم يتم تأكيدها بعد، فيما عبّرت  القائمة بأعمال السفارة الأميركية في لبنان ليزا جونسون عمّا يكتنف تحرك السفراء الخمسة في بيروت، حين قالت بوضوح: “القرار لنا، ممنوع الاجتهاد وتجاوز موقفنا، نحن نبلغ ولا نتبلغ، نحن من يحدد الزيارات والمواعيد”، وذلك في ردّ غير مباشر على تحديد السفير السعودي موعدًا مع الرئيس نبيه بري من  دون التشاور المسبق معها.
وبالعودة إلى موضوع ربط الأزمة اللبنانية والرئاسية والوضع في الجنوب بالحرب الدائرة في غزة فإن هؤلاء اللبنانيين الرافضين هذه المعادلة يرون أن ما يتعرّض له الجنوبيون من استهدافات متبادلة ومتقابلة لن يخدم أهل غزة المنكوبين، ولن يخفّف عنهم ضغط ضربات الحقد الإسرائيلي الأعمى، بل قد يعرّض سلامة لبنان بأسره لخطر محدق.


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *