لكُم لبنانكم ولنا لُبناننا…

[ad_1]

مع بداية معركة “طوفان الأقصى” وبدء العدوان الاسرائيلي على قطاع غزّة، اتّخذ “حزب الله” قراراً بفتح جبهة الجنوب اللبناني بهدف إشغال العدوّ وتشتيت تركيزه إسناداً للمقاومة الفلسطينية، ومنذ الثامن من تشرين الأول عاد الانقسام السياسي في لبنان الى الواجهة من جديد والذي كان قد بدأ تحت عنوان “لبنان لا يريد الحرب”، في إشارة الى أن اللبنانيين يرفضون أن يتحكّم “حزب الله” بقرار السّلم والحرب في البلاد.

ومع اقتراب دخول الحرب على غزّة شهرها السادس، تصاعدت وتيرة الخطاب السياسي والإعلامي تجاه “حزب الله”، والذي كان يقوده خصوم “الحزب” الذين شدّدوا على ضرورة إبعاد الحرب عن لبنان والتمسّك بتطبيق القرار 1701. ولاحقاً، انضمّ “التيار الوطني الحرّ” الى هذا الخطاب، محافظاً على تمايزه لجهة دعم المقاومة في وجه العدوّ الاسرائيلي، الا أنّه أكّد رفضه ربط الساحة اللبنانية بالحرب المشتعلة في غزّة، ورفع سقف خطابه عبر بعض قيادييه الذين تصدّروا المشهد الإعلامي في هذه المرحلة مطالبين “حزب الله” بوقف عملياته في الجنوب وسط تصريحات، تجاوزت التلميحات، وهدّدت بإسقاط ورقة التفاهم بين الفريقين وإنهائها تماما.

“أشكالهم غير أشكالنا وما بيشبهونا”، نبرة خطاب جديدة انطلقت في خضمّ المعركة السياسية وتداولها النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي خلال حملة الهجوم الاعلامي المُكثّف التي بدأها معارضو “حزب الله” في لبنان لتزيد من حدّة التوترات السياسية والطائفية في المجتمع اللبناني. عبارةٌ ضربت عرض الحائط مبدأ “العيش المشترك” وأطاحت بكلّ المفاهيم الوطنية والشعارات التي رفعها هذا الفريق في فترة سابقة، في محاولة لفصل الجنوبيين عن الهوية اللبنانية.

مما لا شكّ فيه أنّ هذا الخطاب غير مستجد، انّما أُعيد طرحه اليوم بسقف أعلى، إذ إنّ هذا الشّكل من “التقسيم” كان قد بدأ بُعيد اغتيال الشهيد رفيق الحريري في العام 2005، والذي أحدث شرخاً على الساحة السياسية المحلية، وانقساماً عمودياً تمثّل بقوى الثامن والرابع عشر من آذار، وانعكس جزءٌ منه ضمن الخطاب العام لكلا الفريقين؛ حيث أطلق فريق 14 آذار آنذاك حملة “أنا أحبّ الحياة” والتي جوبهت بحملة مقابلة من الطرف الآخر تحت شعار “انا أحبّ الحياة بكرامة” وأصبح قسم من الصراع القائم في لبنان مبنياً على قاعدة “نحنا وين وإنتو وين”.

ولعلّ الأزمة التي حاصرت لبنان بعد انطلاق “حراك 17 تشرين” حوّلت “حزب الله” الى محور اساسي في الحركة السياسية في الداخل، الأمر الذي كان لا بدّ من مواجهته بخطابٍ سياسيّ حادّ في ظلّ هواجس التهميش السياسي الذي استشعره فريق من المسيحيين في البلاد. ويعتبر البعض أن الشعرة التي قصمت ظهر البعير آنذاك، كانت قبل سنوات وهي ليست مرتبطة بشكل مباشر باندلاع الحرب في غزّة وما تبعها من معركة على الحدود الجنوبية للبنان، وذلك حين طرح الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر في احد خطاباته فكرة التوجّه شرقاً. وبمعزل عن مدى واقعية الطرح أو اعتباره مجرّد استهلاك اعلامي، بدا الأمر صدمة أيقظت قسما من المسيحيين الذين دقّوا ناقوس الخطر من محاولة تغيير وجه لبنان المنتمي ثقافياً لليبرالية الغربية عبر فكرة طرحها طرف يعتبر الاقوى في الداخل اللبناني ويشكّل قوة اقليمية في المنطقة، وذلك في ظلّ انعدام التوازن السنّي الذي حصل نتيجة خسارات متتالية ليست بعيدة عن التحوّلات التي طرأت على انظمة الحكم والمجتمعات السنيّة في العالم العربي .

من هُنا، وجد قسم من المسيحيين أنفسهم يلجأون الى أسلوب جديد في المواجهة مع “حزب الله” وبيئته ، ومن هُنا أتت فكرة “ما بيشبهونا”، الناتجة عن مخاوف فئات مسيحية من تمدّد شيعي سياسي وعسكري واقليمي وباتت صفة “حزب ايراني” سائدة في المنطق السياسي لهؤلاء، كآلية دفاع عن وجودهم.

 لا تزال بعض الأصوات المسيحية في لبنان ترفض النظر الى البيئة الشيعية بموضوعية وواقعية. جماعة متعلمة اكاديمياً، متنوعة ثقافياً بوضوح، رغم خصوصية بعض المناطق. حتى أنّ “حزب الله” نفسه لا يفرض نمطاً ثقافياً على بيئته، رغم سطوته النابعة من القوة السياسية والعسكرية والجماهيرية والمالية. وليس شعار “قبل السحسوح وبعده” الذي يندرج ضمن الدعاية الموجهة ضد “الحزب”، الا نموذجاً موجوداً لدى كل الطوائف والأحزاب في لبنان، وهو تعبير عن النفوذ السياسي لهذه الاحزاب في مناطقها، الا أنه بدا أكثر ممارسة لدى “الثنائي الشيعي” سيّما من قِبل أنصارهما وقواعدهما الشعبية في لحظة من التوتر والقلق بعد حراك 17 تشرين، وهو ثمن تدفعه اليوم الشيعية السياسية لوقوفها بحدّة في مواجهة الحراك والتحسس الزائد من الاختلاف بالرأي مع الخطاب السياسي والاجتماعي السائد. 

بالمحصلة، فإنّ “شيعة لبنان” هم كسائر الشعب اللبناني لجهة التعليم والثقافة، ويمارسون حريتهم الطبيعية ويختارون أسلوب حياتهم سواء من لباس وسهر وسفر وغيرها، ويتبوّأون أيضاً مناصب في لبنان والخارج. فلماذا “ما بيشبهونا”؟! وبالتالي فإنّ منطق “لكم لبنانكم ولنا لبناننا” ومنطق التقسيم الذي يجتاح مواقع التواصل اليوم، ما بين “فاطمة وياسمينة” إحداهُنّ ناشطة سياسية ترتدي لباساً شرعياً والأخرى تفوز بلقب الوصيفة الاولى لملكة جمال العالم، هو منطق لا يتعدّى كونه حالة لا تشبه لبنان، سيّما وأن تصويب السهام باتجاه شكل الحجاب وربطه بإيران يطال أيضاً الطائفة السنيّة التي يُعتبر هذا الزيّ لدى فئة منها جزءاً من ثقافتها الدينية! 

ما تشهده مواقع التواصل الاجتماعي اليوم والتي هي بطبيعة الحال انعكاس للمجتمع اللبناني بمختلف أطيافه وأحزابه وطوائفه، هو صورة منقّحة للحرب الأهلية، أو بمعنى آخر صراع حول الهوية، إذ بدا واضحاً أنّ اللبنانيين لا يزالون حتى اليوم يعيشون بلا هوية واضحة ومحددة، وبالتالي فإنّ هذا الصراع لا بدّ أن تنتج عنه خطابات متشنّجة من هذا النوع.
“لبنان لا يريد التقسيم”، “لبناننا” جميعاً بمختلف مكونّاته الاجتماعية وتنوّعه الطائفي والثقافي والذي يعزّز وجهه الحضاري الذي جميعنا نريده.


[ad_2]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *