لكي لا تبقى وثيقة بكركي صرخةً في وادٍ

[ad_1]

بغض النظر عمّا يمكن أن يؤول إليه “اللقاء المسيحي الناقص” بفعل غياب ممثلين لتيار “المردة” من نتائج يُرجّح أن تكون إيجابية، أقّله نظريًا، فإن هذه “الإيجابية” بتلاقي ممثلي أكبر ثلاث قوى مسيحية، “أي “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” و”الكتائب اللبنانية” ستبقى غير مكتملة العناصر، خصوصًا إذا كان البعض يعتبر أن غياب ممثلي “المردة” لن يؤثّر على ما يمكن التوصّل إليه كصيغة نهائية لـ “وثيقة بكركي”، التي لا تزال تخضع للتنقيح في ضوء ما أبداه المجتمعون في لقائهم الأول من ملاحظات سيؤخذ بها بما تقتضيه المصلحة المسيحية، التي هي بطبيعة الحال منسجمة مع المصلحة الوطنية، لأن ما يُطرح في هذه الوثيقة من هواجس مسيحية ليست سوى تعبير جلّي عن هواجس جميع اللبنانيين، الذين يتوقون إلى أن يكون لديهم دولة قوية بمؤسساتها الشرعية، التي لن تكتمل حلقاتها إلاّ بانتظام عملها بدءًا برأس الهرم وصولًا إلى آخر موظف في الإدارة العامة. وما دامت البلاد محكومة بتعطيل أهم استحقاق دستوري في الحياة السياسية فإن لا “وثيقة بكركي” ولا أي وثيقة أخرى قادرة على أن تعيد الانتظام الطبيعي للحياة السياسية بما يوجبه الدستور والقوانين المرعية الاجراء، وسيبقى ما يُكتب مجرد حبر على ورق.

 

وإذا كان الذين اجتمعوا في بكركي يطرحون السؤال ذاته، الذي كان يطرحه مؤسس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل عن أي لبنان نريد، وهو سؤال قد يكون من عمر الاستقلال، فإنهم لن يجدوا جوابًا على سؤال يعرف سائلوه مسبقًا إلى أن لبنان الذي تريده “القوات اللبنانية” غير لبنان الذي يريده “التيار الوطني الحر”، وإن التقيا على العناوين العريضة، لكن “شياطين” التفاصيل ستعيد السائلين سنوات إلى الوراء. وكما أن الشيخ بيار الجميل لم يجد جوابًا لسؤاله فإن الدكتور سمير جعجع والنائب جبران باسيل لن يجداه، وهما بنظرتهما المختلفة عن المفهوم العام للسيادة الوطنية لا يلتقيان بالطبع مع الوزير السابق سليمان فرنجية، الذي له نظرة مختلفة عن أي لبنان يريد.

 

وإذا كانت القوى المسيحية الرئيسية غير متفقة على أي لبنان تريد فكيف يمكن أن تتفق مع نظرة “حزب الله” إلى هذا “اللبنان”، وكذلك نظرة المكونين السني والدرزي، وهما أساسيان في التركيبة اللبنانية؟    

 

عندما أشرنا إلى أن لقاء بكركي كان ناقصًا بفعل غياب ممثلي “المردة” لم يكن المقصود “الزكزكة”، بل كان الهدف التصويب على ما يمكن أن تلقاه هذه “الوثيقة” من ردّات فعل الآخرين، الذين تختلف نظرتهم عن أي لبنان يريدون عن نظرة المجتمعين في بكركي، وبالأخصّ عندما تُسأل بكركي عن سبب غياب “المردة”، وبالتالي كيف يمكن الركون لوثيقة غير ممهورة بإجماع مسيحي قبل أن يُطلب من الآخرين أن يوافقوا عليها.

 

المناقشات التي سادت الاجتماع، وإن أُريد لها أن تكون إيجابية، لم تخرج عن سياق “السير بين نقاط” القضايا الحساسة، والتي يمكن أن تستفزّ “حزب الله”، خصوصًا عندما تمّ ربط تطبيق القرار 1701 بالقرار 1959، وبحصرية السلاح الشرعي بيد الجيش دون غيره.

 

ويرى مصدر مسيحي حزبي أن “السير بين النقاط الحساسة” قد لا يؤدي إلى طرح الأمور بصراحة تامة تفرضها طبيعة المرحلة التي يمرّ بها الوطن. وإذا لم تتصارح القوى السياسية بكل شاردة وواردة، وإذا لم تُطرح كل الهواجس كما هي فإن أي مصالحة على المستويين المسيحي والوطني لن تجدي نفعًا لأنها ستبقى ناقصة، وستدرج هذه الوثيقة كغيرها من الوثائق في أرشيف المحاولات، التي كان مصيرها الفشل والمزيد من خيبات الأمل، ولكن هذا لا يعني أن مبادرة بكركي غير جديرة بأن تُدرس بعناية وبعيدًا عن السياسات الضيقة، التي كانت الأساس لتضييع فرص التلاقي على العناوين الجامعة، وهي كثيرة، في انتظار الوقت المناسب لإرساء وثيقة وطنية جامعة تتناول العناوين الخلافية، وهي كثيرة أيضًا.
 


[ad_2]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *