قدرات الحكومة محدودة أمام مطالب الموظّفين


كتب مجد بو مجاهد في” النهار”: يزدحم القطار المطلبيّ المتراكم بنداءات المتقاعدين الذين أرادوا إيصال صدى صرخاتهم إلى مقاعد طاولة الحكومة بعدما تظاهروا على مساحة الشوارع المؤدية إلى السرايا، وكان لبعض الوزراء أن ردّوا في زحمة الأوضاع المتهالكة ملوّحين في عدم قدرة الدولة اللبنانية تحمّل شتّى النفقات نتيجة محدودية محفظتها المالية. واعتمد وزير التربية في حكومة تصريف الأعمال عبّاس الحلبي أسلوباً تمهيدياً للإيعاز في أن الدولة ليست في استطاعتها أن تحقّق مطالب المتظاهرين الساخطين في ظلّ أوضاعها الحالية، خصوصاً وسط الأعداد الهائلة للموظفين المتقاعدين منهم والذين سيحالون إلى التقاعد في مرحلة لاحقة خصوصاً على نطاق القطاعات العسكرية. وهناك مشاورات تشمل عدداً من الوزراء حول الطريقة الممكنة للتعامل مع فحوى الاحتجاجات، إذا كانت الدولة متعثّرة في دفع الرواتب المتقشّفة التي تمنحها للعاملين والمتقاعدين ولا إمكان لأن تنفق أي قشّة إضافية. ويحاول وزراء طرح سبل ترشيقية للقطاع العام من دون إغفالهم اقتراح إعادة إقرار نظام تقاعديّ جديد، ما يطرح علامات استفهام حول حقوق العسكريين ومستقبلهم بما يشمل جنود الخدمة الحالية الذين منهم ضحّوا في صمودهم وينتظرون متغيرات في أوضاعهم المعيشية. ويبدو جليّاً أن أعداد الموظفين والمتقاعدين من المنطلق الذي عبّر عنه وزير التربية، ليست بعيدة عن منطق الأعداد الحقيقية بالأحرف المدوّرة.

Advertisement










استناداً إلى دراسات إحصائية كانت أعدّتها “الدولية للمعلومات” حديثاً حول المتقاعدين الذين يتقاضون رواتب شهرية من الدولة اللبنانية ويوثّقها لـ”النهار” الباحث محمد شمس الدين ، فإنّ أعداد هؤلاء تقدّر في حوالي 124 ألفاً بما يشمل متقاعدي الأسلاك العسكرية والمعلّمين وموظفي الوزارات. ويشكّل العسكريون المتقاعدون غالبية من الموظفين المتقاعدين بنسبة تبلغ 80 في المئة، فيما يتقاضون مرتبات شهريّة من الدولة اللبنانية تبلغ كلفتها حوالي 35 ألف مليار ليرة لبنانية سنوياً. في المقابل، لا تتخطّى أعداد الموظفين الذين لا يزالون في الخدمة الفعلية بين عسكريين ومعلّمين وموظفين 130 ألفاً بعدما تسرّب كثرٌ من الموظفين وخصوصاً من العاملين في القطاعات العسكرية الذين قرّروا مغادرة الخدمة بعد أن فقدت رواتبهم قيمتها الشرائية نتيجة الانهيار الاقتصادي الذي لفح لبنان. وتقدّر تفاصيل “الدولية للمعلومات” كلفة رواتب الموظفين في الخدمة الحالية الذين لم يبلغوا مرحلة التقاعد حتى اللحظة ما يوازي 70 ألف مليار ليرة سنوياً من دون احتساب كلفة بدلات النقل التي يحصلون عليها. وتنفق الدولة اللبنانية 105 آلاف مليار ليرة سنوياً على معاشات الموظفين الذين يزاولون الخدمة والمتقاعدين على حدِّ سواء، ما يضاعف حجم الأعباء المالية على كاهل الدولة وينذر في تضخّم أكبر نتيجة طباعة الأموال وتقلّص الإيرادات وغياب الحلول.
يشدّد وزير التربية في حكومة تصريف الأعمال عباس الحلبي على فكرة أن “الدولة اللبنانية محكومة في دراسة ملف أجور الموظفين والمتقاعدين وإعادة تقويم الأوضاع الوظيفية ونظام التقاعد في لبنان في مرحلة مقبلة، إضافة إلى ضرورة ترشيق الإدارة العامة في اعتبار أن استطاعة الدولة تنحدر ولا قدرة للإبقاء على نفقاتها الحالية ودفع 400 ألف راتب شهرياً”. وثمة عبء إضافيّ تتحمّله الدولة اللبنانية كلّما أحيل موظّفون إلى التقاعد، وفق ما يقوله الحلبي لـ”النهار”، “ما يستعجل أهمية البحث عن معالجات متأنّية للملف انطلاقاً من معايير الحكمة والعدالة. وأضحت الدولة مدعوّة إلى إعادة النظر في شتّى أنظمة التقاعد والتعويضات حتى لا تتدهور الأوضاع المالية للدولة اللبنانية نحو تفاقم أكثر تدحرجاً”. لا تغفل انطباعات الحلبي أيضاً، “أضرار تجربة سلسلة الرتب والرواتب التي كانت كلّفت الدولة
ما تجاوز 3 مليارات من الدولارات أنفقت كمبالغ ضخمة في دولة مقطّرة بإنتاجية معدومة. وباتت هناك مسائل ملحّة تستدعي استراتيجية مختلفة للبدلات والتعويضات بما يتلاءم مع قدرات الدولة المالية علماً أن هناك دراسة كان أنجزها مجلس الخدمة المدنية لناحية الأطر الترشيقية للإدارة العامة”. ويدعم وزير التربية “أولوية العمل في نظام الحكومة الإلكترونية ما يسرّع إجراءات المعاملات ويحدّ من الوظائف الخائرة ويبقي المواطن اللبناني في منأى عن السمسرة والفساد نحو خطوة تسهم في عصرنة الإدارة. وإذ كان مصرف لبنان حدّد سقفاً معيناً للحكومة اللبنانية يراوح ما بين 800 و880 مليار ليرة شهرياً للانفاق على رواتب الموظفين والمتقاعدين، فليس في الإمكان تجاوز هذا المبلغ حالياً أو تحديث أي إضافات على راتب الموظف، وقد يكون الحلّ في مرحلة مقبلة عبر ترشيق الإدارة والبحث في نموذج معقول للرتب والرواتب في استطاعة الدولة إنفاقه”.


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *